بقلم الإعلامية/ رادا الجوهري
كلمة نسمعها كثيرا في اللغة الإنجليزية وتعني مقدّمي الرعاية، أولئك الذين يُفترض أن يكونوا حضنًا آمنًا، Caregivers
وملاذًا يحمل كل المعاني الإنسانية من عطف ورحمة واحتواء لكبار السن الذين لا يرغبون إلا في كلمات الحنان والحب في سن هم في أمسّ الحاجة إلى الرعاية، ولكنها مع الأسف أصبحت مهنة من لا مهنة له بهدف التربح وفرض السيطرة على من لا حول لهم ولا قوة.
لا يكاد يخلو بيت من بيوتنا المصرية من شخص مُسِنٍّ، وفي زمن انعدام الضمير أصبحت موضة “مقدم الرعاية أو مانح الرعاية” كلمة خادعة ومن يمتهن هذه المهنة الإنسانية ذوألفُ وجهٍ لأن أبسط قواعد الرعاية يفتقر إليها هؤلاء؛ حيث لا يُرى منها إلا الوجه الرحيم أمام الناس، فكلما تقدم الإنسان في العمر ازداد ضعفه النفسي قبل الجسدي وتضاعف إحساسه بأنه عبء على من حوله، خاصة حين يعجز فجأة عن خدمة نفسه بعد أن بعد أن اعتاد الاعتماد على نفسه اعتمادًا كاملًا. وإذا به يرى نفسه عاجزًا، وما أفظع الإحساس بالضَّعف حين يكتشف الإنسان أن الزمن جار عليه؛ فلا يحتاج إلا من يطمئنه قبل أن يخدمه، ومن يحتضنه قبل أن يطعمه أو يداويه.
ومع تزايد الأعمار المديدة التي قد تتجاوز الثمانين، واجه الأبناء هذا التحدي الصعب والعصيب؛ فكيف يتسنّى لهم تحقيق التوازن بين عملهم وانشغالات البيت ورعاية المُسِنّ؟ والمشكلة الأكبر عندما يكون المريض رجلًا، وهو يحتاج إلى رجلٍ مثله، وفي هذه الحالة تجد الزوجة نفسها في حيص بيص؛ لأنها فجأة تجد شخصًا غريبًا يعيش معها ويشاركها كل تفاصيل حياتها، وأحيانًا تكون هي نفسها بحاجة إلى من يرعاها. وما يزيد الطين بلّة لو كان عندها بنت؛ فهذه البنت لا تشعر بالخصوصية في وجود رجل غريب.
أمّا إذا كانت الزوجة هي التي تحتاج إلى الرعاية، فالأمر أصعب؛ لأن الرجل غالبًا لا يُحسن التصرّف في التعامل معها ولا في تدبير شؤون المنزل، ولذلك يلجؤون إلى من يُطلق عليهم «مانحو الرعاية»، وهم في كثير من الأحيان يفتقرون إلى أدنى درجات الرعاية الإنسانية. وبما أنّ المرأة هي عماد البيت، وبدونها لا تقوم للبيت قائمة، فإنها إذا شعرت بالتعب اهتزّ توازن البيت كلّه، وتعثّرت تفاصيله الصغيرة التي كانت تُدار بصمت وحبّ، وكأنّ غياب طاقتها يُفقد المكان روحه ونظامه معًا. وقد يخفّف وجود البنت من وطأة الأمر، لكنه قد يكون سلاحًا ذا حدّين؛ إذ يكون حضورها رحمة في خدمة الأم ومساعدتها، أمّا إذا كانت متزوّجة فهي بين خيارين كِلَيهما مُرّ: الاعتناء بزوجها وأبنائها، ورعاية والديها. وفي معظم الأحوال يترك الأبناء المُسنّ ، بسبب انشغالهم، تحت رحمة من يُطلق عليهم «مانحو الرعاية»، الذين انتُزعت الرحمة من قلوبهم، إلا من رحم ربّي.
و لكن في المقابل هناك الأبناء البارّون بوالديهم ولا يتركونهم فريسة لهؤلاء الذين يتحكمون في أمورهم كما يشاءون، ويرفضون أن تتحول الشيخوخة إلى واجب ثقيل، أو أن يُترك الوالدان بين أيدي غرباء لا يعرفون من حكاياتهما سوى ما تُمليه عليهم ساعات العمل.
وما أكثر القصص الواقعية المأساوية التي تعاني منها معظم البيوت، وأتذكر قصة قريبة جدًا من الواقع: مسنّ تجاوز الخامسة والثمانين، وكان رجلًا قويًا نشيطًا منتجًا يعتمد عليه الجميع، وكان يرعى أسرته وأخوته رعاية كاملة، ثم فجأة أصيب بجلطة دماغية، وأصبح عاجزًا عن الحركة والكلام، وحتى يداه لا يستطيع استخدامهما.
واضطرت عائلته للبحث عن هذا المدعو «كير جيفر» أو مانح الرعاية من خلال مؤسسة تُعيِّن هؤلاء، رغم أنّ كثيرًا منهم ليسوا سوى مجموعات على فيسبوك، يغلب على بعضها الطابع العشوائي ويختلط فيها الحقيقي بالزائف، وتغيب عنها أي رقابة، مما يفتح الباب أمام كثير من أشكال الاستغلال والاحتيال.
وكان البحث مضنيًا، وبعد أن رشحت لهم هذه المؤسسة التي تتخذ من هذه المهنة مجالًا للتربّح، جاء الشخص الموعود، وكانت الأسرة يحدوها الأمل أن يكون هذا الشخص حلًا لمشكلتهم، ولكن كل هؤلاء كانوا في الواقع عبئًا كبيرًا؛ فهم من يحتاجون الخدمة ولا يمنحونها.
ودفعت الأسرة الكريمة مبالغ طائلة كونها عبئا على هذه الأسرة المتوسطة الدخل ظنًا منهم أنهم يشترون الراحة والطمأنينة، ولكن هيهات! فتعددت الأسباب والنتيجة واحدة، حيث ظلت الأسرة تتنقل من واحد تلو آخر، وكلهم والمؤسسات التي ترشحهم يفترض أن يُحاكموا بتهمة التلاعب بمشاعر الأسر التي يحتاج فيها المسن إلى الرعاية الكاملة.
وكثير هؤلاء يشتركون في انعدام الضمير؛ لا يمنحون سوى الوقت الضائع، ويقضون ساعات طويلة ممسكين بالهاتف المحمول، ويتعاملون بفظاظة، ويتركون الفوضى خلفهم، ويقولون بلا خجل: «دي مش شغلتي»، رغم أنهم مسؤولون عن رعاية المسن وخدمته الشخصية، فلا يفعلون المهمة المنوط بهم القيام بها، ولا حتى إجراء حوار للترفيه عن المسن وكأن لم يعد هناك وازع يجعل مانح الرعاية يقوم بمهته على أكمل وجه، يريد أن يريح نفسه وكأن الله لا يراه، وكأن المسن لا يمتلك روحًا ولا حقًا في التعبير عن نفسه، بل يمتد الأمر إلى امتهان كرامته.
هذه القصة ليست استثناء، بل نموذج يتكرر كل يوم، وأضحى هذا الطلب المتزايد على مقدمي الرعاية – الاسم على غير مسمى – يفتح بابًا واسعًا للاستغلال. وكما كانت تقول أمي رحمها الله: «كبار السن فاكهة مولية»، أي مرحلة من العمر تحمل حلاوة الذكريات، لكنها عابرة، وهم ذاكرة الوطن وأرواح تعبت لكي ننعم نحن بالراحة، ووجودهم في حياتنا بركة لا تُقدّر بثمن.
ولعل ما يغيب عن كثيرين في زحمة الحياة أن الدنيا لا تدوم لأحد، والشباب قوة زائلة، والشيخوخة قدر مكتوب على من امتد به العمر؛ فالإنسان لا يخلد في هذه الدنيا، وتلك الأيام نداولها بين الناس سورة آل عمران آية 140
«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، فكيف نرجو رحمة السماء ونحن نقسو على من صنعوا لنا الحياة؟
