بقلم الإعلامية/ رادا الجوهري
إغلاق ملف بطولة كأس الأمم الأفريقية لا يعني بالضرورة إغلاق باب التفكير، ولا يصح أن يتحول إلى محاولة سريعة لنسيان ما حدث، فالبكاء على اللبن المسكوب خسارة ومضيعة للوقت، لكن تجاهل الأخطاء تكرار لها. فالهزيمة لحظة، أما الاستفادة منها فقرار.
وشتّان بين من يُسدل الستار على البطولة وكأنها لم تكن، ومن يرفعه ليبدأ فصلًا أكثر صدقًا مع النفس، عنوانه النقد البنّاء والاستعداد للمستقبل واضعًا نصب عينيه هدفًا أكبر: التصحيح قبل التصفيق.
بل ربما يكون هذا هو الوقت الأنسب لفتح الملفات الأهم: لماذا خسرنا؟ وماذا كان ينقصنا؟ ومتى نكفّ عن تكرار الأعذار نفسها؟
لا يمكن إنكار الإحباط الذي أصابنا جميعًا بعد عدم وصول المنتخب المصري إلى النهائي، لكن يبقى السؤال مطروحًا
هل هذه نهاية المطاف؟
لا يخلو بيت مصري من الانخراط في كرة القدم، تلك اللعبة الشعبية التي تُعد القاسم المشترك بين أفراد الأسرة داخل المنازل، وهي نفسها التي تجمع الأصدقاء في المقاهي. ومن مميزات المباريات أنها تعيد للأسرة لحظة اجتماع حقيقية، بعيدًا عن الانشغال بالهواتف المحمولة، وكأن الكرة – ولو مؤقتًا – تُصلح ما أفسده إيقاع العصر السريع.
المثل الشعبي يقول: ” يموت المعلم ولا يتعلم” وهو مثل قاسٍ، لكنه يعكس حقيقة مؤلمة، مفادها أن المشكلة ليست في الخسارة ذاتها، بل في عدم التعلم منها.
وفي خضم هذا التقييم، يجب أن ندرك أن تفادي الأخطاء ليس موعظة أخلاقية بقدر ما هو مسؤولية وطنية، لأن الجميع – لاعبًا، إعلاميًا، ومشجعًا – يمثل بلده، فالصحفي أو الإعلامي مؤثر، ودوره محوري في صناعة الوعي، لكن عليه أن يطرح تساؤلاته بالشكل اللائق الذي يحترم الضيف والموقف، وعلى الضيف في المقابل أن يتحلى بالهدوء ويحترم السؤال، فإن شعر بتجاوز، فليكن انسحابه راقٍ دون افتعال أزمة. فالحوار الحضاري جزء من صورة البلد، تمامًا كالأداء في الملعب.
ومن هنا تبدأ السلبيات، لا حين نخسر، بل حين نُصرّ على الإنكار، أو نُعلّق الشماعات على الحظ، أو نُدخل الأمور في مساحات المزايدة والتجريح بدلًا من البناء والتقويم. فالخلل لا يقتصر على لاعب بعينه، ولا مدرب وحده، ولا مباراة واحدة، بل يمتد إلى المنظومة كاملة، بدءًا من اتحاد الكرة، ومرورًا بالجهاز الفني، ووصولًا إلى اللاعبين جميعًا بلا استثناء. كرة القدم لعبة جماعية، ومن الإجحاف أن نوجّه اللوم لطرف واحد ونعفي البقية.
لن أضيف كثيرًا إلى ما قاله خبراء الكرة والمحللون والإعلاميون، لكن ما نحتاجه فعلًا هو وقفة صادقة مع النفس، واعتراف واضح بالأخطاء، بدل الاكتفاء بالاحتفال المبالغ فيه بفوز في مباراة واحدة، وكأن البطولة قد حُسمت. كما لا يمكن تجاهل أزمة التحكيم الأفريقي، الذي نعاني منه ونعاصر مشاكل لا حصر لها وأولها أن كثيرًا ما تميل الكفة لأطراف على حساب أخرى، وهو أمر يتطلب حلولًا عملية، لا مجرد شكاوى موسمية..
أما المدرب رغم ما بذله من جهد، فعليه أن يعي أن بعض اختياراته لم تكن موفقة، سواء في التشكيل الأساسي أو في التغييرات التي جاءت في أحيان كثيرة غير قائمة على أساس فني واضح .لا بد أن يكون الاختيار من البداية قائمًا على مهارة اللاعب واستعداده.
لا شك أن فرحة المصريين بوصول المنتخب إلى نصف النهائي كانت كبيرة، لكن الأمل في الوصول إلى النهائي كان أكبر، وهو ما تبدد بعد الهزيمة أمام المنتخب السنغالي. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة المحاولة المستميتة والإصرار على الفوز، وهي سمة واضحة في أداء المنتخب السنغالي.
وإذا أردنا أن نتعلّم درسًا حقيقيًا، فعلينا أن ننظر إلى ساديو ماني، ليس لأنه كان سببًا في خروجنا من البطولة، بل لأنه جسّد معنى القيادة الحقيقية. ففي نهائي البطولة أمام المغرب، وفي واحدة من أكثر لحظات المباراة حساسية، ورغم أنه ليس قائد فريقه، تحمّل مسؤولية كبيرة حين أقنع زملاءه بالعودة إلى الملعب بعد التفكير في الانسحاب، معارضًا قرار المدرب، ومقدّمًا مصلحة بلده على أي اعتبارات أخرى. وهنا ندرك أن القائد ليس من يحمل الشارة، بل من يمتلك قوة الشخصية، وسرعة اتخاذ القرار، والاستعداد لتحمّل العواقب.
ورغم المنافسة بينه وبين محمد صلاح، لم تغب عنه الروح الرياضية ولا الاحترام المتبادل، وهو ما يجعل من هذا النهج مثالًا يستحق التوقف عنده والتعلّم منه. فالهزيمة، في كثير من الأحيان، لا تكون نهاية الطريق، بل قد تتحول إلى دافع حقيقي لتحقيق نجاحات لاحقة إذا أُحسن التعامل معها. وعلى المستوى الإنساني، لا أخفي أنني كنت أتمنى الفوز من أجل محمد صلاح تحديدًا، بعدما صرّح بأن هذا اللقب هو الوحيد الذي لم يحصل عليه في مسيرته الحافلة بالإنجازات الرياضية المشرفة، وهو ما كان سيمنح الفوز معنًى خاصًا يتجاوز حدود البطولة نفسها.
ومع ذلك، فإن الأهم من التوقف عند الهزيمة هو عدم السماح لها بأن تعرقل المسيرة أو تتحول إلى عبء نفسي يرافقنا طويلًا. فنحن مقبلون على كأس العالم، وهو التحدي الأكبر، حيث لا مجال لتكرار الأخطاء ولا وقت للبقاء أسرى لصفحة طُويت بالفعل. المطلوب ليس نسيان ما حدث، بل استيعابه جيدًا، ثم إغلاق هذه الصفحة بوعي، والمضي قدمًا بعقلية أكثر هدوءًا ونضجًا، لأن التوقف عند الخسارة أخطر من الخسارة نفسها.
وبما أن كرة القدم – كغيرها من الألعاب – قائمة على المكسب والخسارة، فلا يوجد فريقان يفوزان في مباراة واحدة. أحيانًا يجازي الله المجتهد، وأحيانًا يحالف الحظ من يفوز، خصوصًا في المباريات الإقصائية التي تُكسب ولا تُلعب. ومن هنا يوجَّه الحديث إلى الجمهور المتعصب، الذي عليه أن يتحلى بالروح الرياضية، وألا يجعل من الهزيمة شماعة، بل منطلقًا للمراجعة، ووضع اليد على الأخطاء، ومن بينها التقصير في حق النفس أولًا.
الحصول على المركز الرابع ليس نهاية المطاف، لكنه أيضًا ليس إنجازًا يُغلق عنده الملف. قد يكون بداية حقيقية لوقفة مع النفس وإعادة حسابات، وطرح السؤال الذي لا مفر منه: ماذا بعد؟:
هل هذه أقصى إمكاناتنا، أم أن لدينا رغبة حقيقية في الإصلاح والتعلّم؟ نحن مقبلون على محطة مهمة وحاسمة وهي بطولة كأس العالم 2026، حيث تنتظرنا مواجهات قوية مع منتخبات بحجم بلجيكا وإيران ونيوزيلندا.
وأختتم بقول المتنبي:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
