بقلم: الإعلامية رادا الجوهري
في هذا السباق الإعلامي المحموم والقنوات المفتوحة التي لا حصر لها أصبحنا لا نرى إلا الترند. لماذا بات ما يُشَاهَدُ أهم مما يُقالُ وأوسع نتشارًا مما يستحق؟ في زمن السوشيال ميديا لم يعد السؤال: ما القيمة؟ بل كم المشاهدات.
تَحَوُّل الإعلام من مساحة للتنوير إلى ساحة سباق، لا يفوز فيها الأفضل والأكثر قيمة، بل الأسرع والأجرأُ، ولا يعلو فيها الصوت الأصدق بل الأعلى ضجيجًا والأكثر إثارةً للجدل. لم يَخْتَفِ الإعلام المحترم لكنه صار مُحَاصَرًا بترندات تُصنع في ساعات و”تُستهلك في دقائق بل ثوان معدودة وتحقق أرباحًا طائلة، وليت الأمر يقتصر على ذلك لأن هذه الترندات تترك وراءها فراغًا أكبر من صداها. وبما أن ملء الجيوب أهم من بناء الإنسان فلا مانع أن تتضاعف “اللايفات” وتُرفع الشعارات ويضيع المعنى.
في سابق عهدنا، كان الإعلام يصنع الحدث، واليوم أصبح يلاحقه، كان يطرح الأسئلة، واليوم يكتفي بإعادة تدوير ما يتصدر “الترند”. وتمضي بنا الحياة ونحن في حلقة مفرغة حيث تحول الدور من توجيه الوعي إلى مجاراة المزاج العام، ومن صناعة القيمة إلى استهلاكها. ومن هنا أصبح الترند بطل المشهد وتراجع دور الإعلام إلى حد كبير. لم يكن الإعلام يومًا مجرد كاميرا وميكروفون، بل كان ضميرًا حاضرًا وسلوكًا مُهذَّبًا قبل أن يكون مجرد صوت عال بلا مسؤولية.
في زمن ليس ببعيد، كان الإعلامي يستعد للتحاور مع الضيف متسلّحًا بكل الأدوات التي تمكنه من كسب احترام الضيف والجمهور معًا، حيث كان شديد التمسك بما يسمى بأخلاقيات المهنة التي تبدأ بمعرفة تاريخ الشخصية التي يتعامل معها واحترام المساحة الفاصلة بين السؤال والفضول وبين النقد والتجريح.
وبعد أن كان توقير الضيف قاعدة لا استثناء، أضحى الإعلام مهنة من لا مهنة له فكل من بيده هاتفٌ محمولٌ أصبح يتحدث وبطريقة عشوائية حتى وصل بنا الأمر أن الاحترام أصبح الاستثاء وليس القاعدة، بل وفي كثير من الأحيان أصبح التطاول مقبولًا حتى غابت أبسط قواعد اللياقة بعد أن كانت الأخلاق المهنية خَطًّا أحمر ممنوع الاقتراب منه.
مع الأسف لم يعد الإعلام يسعى وراء السبق الصحفي أو الرسالة الهادفة التي لابد أن تكون من أولوياته كالتعليم والتنوير وترسيخ الوعي خاصة للأجيال الجديدة، بل تحوَّل إلى تصفية حسابات وتراشق بالألفاظ استنادا إلى هوس ما يسمى بنسب المشاهدات. تغير المشهد وفي معظم الأحوال أصبح الإعلام مصيدة توقع الضيف في شباكها، وبالتالي حل الصدام محل الحوار، واحتل الترند الصدارة على حساب القيمة.
وتم حصار المشاهد بكل أشكال التنمُّرِ الذي يُعرَضُ له بجرأة شديدة يصعب عليه استيعابها، بل وأصبح التشهير ينظَر إليه على أنه تحت بند حرية الرأى وكأن خصوصية الضيف ليس لها حرمة إلا من رحم ربى إذ لا تزال الساحة الإعلامية زاخرة بأسماء يُشارُ إليها بالبنان
ومن ناحية أخرى نرى كثرين على وسائل التواصل الاحتماعى ينالون من سمعة الناس حتى إن الأعراض لم تعد خطوطًا حمراء بل صارت أوراقًا تُستَخدمُ لتحقيق انتشار أسرع غير أن ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع لأن العملة الرديئة لا تستمر طويلا
وبين ماضٍ كانت فيه الشاشة مرآة للقيم وحاضرٍ تكسّرت فيه تلك المرآة تظل الذاكرة محفورة بأسماء صنعت المجد بأحرف من نور أسماء لم تكن تبحث عن ترند بل عن أثر باقٍ لا يزول مع مرور الوقت ولا ينطفئ ضوؤه بمرور السنين ولا يختفي توهجه وألقه مهما ظهرت عشرات الآلاف من الترندات
وفى خضم هذا المشهد المتغير تظل بعض الأسماء شاهدة على زمن كان فيه الإعلام مدرسة في الأخلاق قبل أن يكون مجرد منصة لعرض أي محتوى بلا قيمة. ومن بين هذه الأسماء الإعلامي الراحل المبدع طارق حبيب ذلك النموذح الفريد من نوعه في الحوار المتزن والثقافة الواسعة وإدارة الحوار باحترافية شديدة ولم يكن يسعى لإحراج ضيفه أو مقاطعته بل كان يجيد فن الإنصات كما يجيد فن طرح السؤال، حيث كان صوته هادئا وحضوره راقيًا واحترامه لخصوصية ضيفه لا يُضاهى
وعلى الجانب الآخر تبقى الإعلامية القديرة نجوى إبراهيم مثالًا حيًّا على الإعلام الهادئ الذي يعتمد في المقام الأول على نُبلِ الموقف والالتزام المهني الحقيقي في زمن غلب عليه الصخب وتنوع فيه الضجيج فقد كانت الابتسامة لا تفارق وجهها والشاهد على ذلك برامج الأطفال التي كانت تقدمها وكانت تحمل قيمًا حقيقية تُقدَّم بلغة بسيطة وصوت دافئ لا تخطئه الأذن، حتى إن الكبير قبل الصغير لا يزال يناديها حتى وقتنا هذا ماما نجوى الاسم الذي أحبّه الأطفال وتربوا عليه. هؤلاء وغيرهم كانوا يؤمنون بأن الإعلام تربية قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية قبل أن يكون سعيًا وراء الشهرة
هذه الأسماء الإعلامية الرنانة لم تكن تلهث وراء الشهرة على حساب المضمون بل كانت تسعى الشهرة إليها من خلال الحوار الحقيقي الخالي من الزيف ومن خلال الكاريزما أو الحضور الطاغي الذي كان كافيًا لإقناع العقول وكسب القلوب، فلم يختلف عليهم المشاهد لأنهم لم ينساقوا وراء أخطاء تجرهم إلى هفوة يندمون عليها لاحقًا.
أولئك الذين سبقونا في هذا المجال لم يكونوا مجرد أسماء في أرشيف الإعلام، بل كانوا صُنّاع وعي ومربين حقيقيين وحراسًا للكلمة، وتستوقفني هنا كلمات الراحل العظيم عبد الرحمن الشرقاوي: ” أتعرف ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة.. دخول النار على كلمة.. وقضاء الله هو كلمة.. الكلمة لو تعرف حرمة زاد مزخور.. الكلمة نور وبعض الكلمات قبور إذن لو عرف الإعلامي سر الكلمة سيفكر ألف مرة قبل أن ينطق بها، فكم من كلمة أهدرت كرامة إنسان، وكم من عبارة أشعلت فتنة، وكم من عنوان هزّ الثقة، وكم من سؤال زيّف الحقيقة. ولهذل لم يكن الإعلامي الحقيقي يومًا ناقلًا للخبر، بل صانعًا للمعنى.
ويبقى السؤال: هل خسر الإعلام معركته؟ أَمِ اختار السلامة على حساب الرسالة

