في عالم العلاقات الإنسانية، هناك خدعة قديمة لا تبلى، اسمها: “الكرة في ملعبك”. تبدو جملة بريئة، بل وكأنها تمنحك حرية القرار، لكنها في الواقع أداة اتهام ناعمة تُلقي المسؤولية كلها عليك، بينما ينسحب الطرف الآخر ليتقمص دور الضحية باقتدار. ثم تأتي الجملة السحرية التي تقلب الموازين:
“أنت تغيّرت”
كلمات قصيرة، لكن وقعها أشبه بالحكم النهائي.
هكذا تُدار المعركة بهدوء.
لا أحد يسألك: “ماذا بك؟”
بل يُسارعون إلى السؤال الأخف ظاهرًا، والأثقل وقعًا: “لماذا تغيّرت؟”
ولأن الإجابة عندهم جاهزة دائمًا، لا ينتظرون تفسيرًا منك، بل يهمسون أو يصرّحون:
ويحضرني قول الإمام الشافعي رحمه الله:”العيب فيك”
نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا
وما لزمانِنا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمانِ بغيرِ ذنبٍ
ولو نطق الزمانُ لنا هجانا
كثيرًا ما نردّد هذه الأبيات ونحن نظن أننا نتحدث عن الدنيا وتقلباتها، بينما الحقيقة أننا نصف أنفسنا نحن. نبحث دائمًا عن شماعة نعلّق عليها أخطاءنا، فنختار أسهل طريق: إلقاء اللوم على الزمن، أو على الآخر، أو على الظروف
وفي العلاقات الإنسانية يتكرر المشهد ذاته، لكن بصيغة مختلفة: عبارة جاهزة اسمها “الكرة في ملعبك”
ومن هنا تبدأ الحكاية: أعرف صديقين منذ حوالي عشرين عامًا، ليست صداقة عابرة بل ” عِشرة عمر طويلة” كما نقول بلغتنا المصرية الجميلة أي علاقة تمتد في جذورها كما تمتد جذور البيوت القديمة في قلب الأزقة، بظلالها التي تحنو، وجدرانها التي تظنها صلبة ولكنها تُخفي ما لا يُرى، تماما مثل العلاقة بين الصديقين التي كانت تبدو في ظاهرها متينة ولكنها في الواقع كانت مليئة بتشققات لا يراها أحد.
حدث خلاف ولم ينقطع التواصل فورًا. في البداية كان الحوار مقتضبًا، ثم صار باردًا، ثم تحول إلى صمتٍ ثقيل. وفي إحدى الأمسيات قرر أحدهما أن يكسر حاجز الصمت الطويل، فأرسل رسالة قصيرة مفادها: “اشتقت للأيام الخوالي التي جمعت بيننا”، وجاء الرد سريعًا على عكس المتوقع تمامًا: “أنت الذي تغيّرت”.. جملة واحدة لإغلاق كل الأبواب بعد أن كان الطرف الآخر يحاول جاهدًا وبكل ما أوتي من قوة الحفاظ على شعرة معاوية كي لا يخسر صديقه إلى الأبد.
جاءت الجملة كالسهم القاتل أو الخنجر الذي يصيب في الصميم حيث لم يسأله: ما بك؟ لماذا ابتعدت؟ حتى إنه لم يشعر بوخزة ضمير ولم يقل: قد نكون أخطأنا معًا. وغابت تلك النفس اللوامة التي دعا إليها القرآن الكريم، ذلك الصوت الداخلي الذي يوقظ الضمير ويحثّ الإنسان على مراجعة ذاته قبل أن يحاسب الآخرين. عبارة “حاسب نفسك قبل أن تحاسب الناس” لم تخطر على باله ولو للحظة واحدة بعد طول الانقطاع. اكتفى بأن وضع الكرة في ملعبه، وخرج من المشهد مرتاح الضمير.
صحيح أن عبارة “الكرة في ملعبك” تعني في أصلها: حان دورك أو القرار بيدك أو المسؤولية تقع على عاتقك، غير أنها في كثير من العلاقات بين البشر لا تُستَخدم بمعناها النزيه، بل كحيلة ذكية للتملّص أو كما نقول بالعامية المصرية “خدوهم بالصوت”. هذه العبارة التي في الأصل جميلة ومن المفترض أن تمنحك حرية الاختيار نجد في باطنها تُحمِّلك وحدك وزر الموقف، فهي تبدو وكأنها دعوة للتصرف، بينما هي في الحقيقة إعلان انسحاب مُغلَّف باللباقة ، أو كأن الطرف الآخر يقول لك: “لقد قمتُ بما يجب عليّ فعله” أما الآن حان دورك وأي نتيجة قادمة ستكون بسبب أخطائك المتكررة.
جلس الطرف الآخر طويلًا يتأمل العبارة، وتساءل بينه وبين نفسه: هل أنا حقًا الذي تغيّرت؟ أم أنني لم أفعل شيئا إلا حقي لأنني توقفت عن تقديم التنازلات التي اعتدت عليها. تذكر مواقف كثيرة كان فيها صامتًا كي تستمر العلاقة. تذكر كيف كان يكظم غيظه في مواقف كثيرة كانت تستحق المواجهة والعتاب وكم كان يتجاوز عن أخطاء مؤلمة ويبرر ما لا يُبرَّر.وفي تلك اللحظة الفارقة أدرك الحقيقة التي لا مناص منها: بعض الناس لا يحبونك كما أنت أو على شاكلتك بل كما يريدونك أن تكون. وحين تتوقف عن الدور الذي رسموه لك، تصبح فجأة وبدون مقذمات في نظرهم “متغيّرًا”… و”جاحدًا”…بل وصعب المراس.
وبعد أسابيع، التقيا صدفة وتبادلا السلام ببرود وجفاء وقال الصديق بنبرة عتاب: “خسارة.. أنت لست الشخص الذي عرفته”. وابتسم الآخر بهدوء وأجابه: “بل أنا كما أنا.. لكنني توقفت عن التظاهر بما يرضيك. وانتهى اللقاء. أدرك حينها أن بعض العلاقات لا تموت بسبب خلاف جذري، بل بسبب جملة صغيرة زائفة: “أنت تغيرت”.

وهنا يبدأ الإنسان في دفع ثمن الصمت الطويل؛ ذلك الصمت الذي ظنّه البعض تسامحًا أو “عشان المركب تمشي” فإذا به يتحول في نظرهم إلى واجب دائم. هذه النوعية من الناس تحبك طاما كنت مرنًا، صبورًا، ساكتًا ولا تعترض إن ضايقك موقف ما، ولا يحتملونك لو كنت تمر بظروف صعبة أو بدأت تنظر لأحوالك قبل الانخراط في مشكلاتهم.
والخلاصة من هذه القصة التي تتكرر كثيرًا، أن هؤلاء الناس لم يتغيروا فجأة بل كانوا بهذه الصفات ولكن الإنسان الطيب على الفطرة هو الذي لم يكن يراها، وعندما يصحو على الحقيقة المؤلمة تصيبه صدمة كبيرة تنزل عليه كالصاعقة.

ولكن هذه ليست نهاية القصة. لا أريدك – عزيزي القارئ – أن تخرج من هذا المقال محمّلًا بالحزن أو بخيبة الأمل، بل أريدك أن تخرج منه بوعي جديد وطريقة مختلفة للتعامل مع مثل هذه المواقف.
“تعلم أن تقول لا دون الشعور بالذنب” إلى درجة توصلك لجلد الذات والتقصير في حق نفسك. وأزعم أن كثيرًا من أزمات العلاقات سببها عجزنا عن النطق بأسهل كلمة من حرفين ليس أكثر “لا”، ليس قسوة، ولا جحودًا، ولا تخلّيًا عن الآخرين، بل هو مهارة حياتية تحمي الإنسان من رحلة الاستنزاف الشاقة والخذلان المتكرر.
وإلى كل من يعاني من تعقيدات العلاقات الإنسانية، إليكم مفاتيح عملية لفهم هذه العلاقات والتعامل معها وأراها كفيلة بأن توفّر عليكم كثيرًا من التعب:
لا تعتذر عن حقك في وقتك وطاقتك.
ضع حدودك من البداية لتنقذ نفسك من تدخل الآخر في شؤونك.
واعلم أن رفض طلبٍ ما لا يعني بالضرورة رفض الشخص نفسه.
كن صريحاً ومباشراً ولا داع لاختلاق أعذار لأن الصدق ينهي الأمر بسرعة
استخدم عبارات حازمة ومهذبة في الوقت نفسه: مثل”أعتذر لا أستطيع الالتزام بذلك”.
لا تبرر كثيراً: تقديم المبررات الطويلة يضعفك ويفتح مجالا للضغط على أعصابك
امنح نفسك مهلة قبل الرد: لا تتسرّع بالموافقة، واطلب وقتًا للتفكير حتى لا تتورّط في التزام لا تريده.
حدد أولوياتك واجعلها واضحة مثل وقت العائلة كأن تقول “سأقضي اليوم مع أسرتي أو وعدت أطفالي بقضاء الوقت معهم.
لا تشعر بالذنب: الناس ستحترمك أكثر حين تعرف حدودك
تخيل حالك بعد الموافقة: بمجرد أن تقول نعم دون تفكير، فكر في الضغط الذي ستشعر به وهذا سيساعدك كثيرا على الرفض واتخاذ القرار لمصلحتك تجنبا لأن تظلم نفسك .
تخلّص من وهم إرضاء الجميع: لا تجعل نفسك أسيرًا لشعورٍ بالذنب لا يشعر به الطرف الآخر أصلًا لو كان مكانك.
هذه هي أهم الأدوات التي تحميك من الاستغلال وتمنع الآخرين من تحويل طيبتك إلى التزام أبدي يثقل كاهلك.

وهناك نقطة أخرى بالغة الأهمية تتلخص في أن قول كلمة “لا” ليس موهبة فطرية يولد بها الإنسان الطيب على وجه الخصوص، بل مهارة تُكتسب بالتدريب، ولذلك أوصي بأن تبدأ بالطلبات الصغيرة، ثم تتمرّن على الرفض المهذب، حتى يصبح الأمر جزءًا طبيعيًا من شخصيتك.
عندما تتقن هذا الفن، لن يستطيع أحد أن يلقي الكرة في ملعبك ظلمًا، ولن تهزّك جملة مثل “أنت تغيّرت، لأنك ستكون قد تعلّمت أخيرًا أن أهم علاقة في حياتك هي علاقتك بنفسك. ارض نفسك أولا طالما أنك لا تتعدى على حدود الآخرين ثم ارض غيرك لو كان حقا يستحق تضحيتك ويقدرها.