الطفولة هي المرحلة التي يُفترض أن تُبنى فيها الشخصية على أسس من الأمان، والتعبير الحر، والرعاية العاطفية. إلا أن كثيراً من الأطفال يعيشون تحت وطأة الضغوط النفسية وقمع المشاعر، مما يترك آثاراً طويلة الأمد على نموهم النفسي والاجتماعي، قد تمتد لتشكل ملامح شخصياتهم في مرحلة البلوغ.
ما المقصود بالضغوط النفسية في الطفولة؟
الضغوط النفسية عند الأطفال تشمل كل ما يتسبب لهم في شعور بالتوتر أو الخوف أو القلق، سواء كان ذلك ناتجًا عن ظروف أسرية (مثل الخلافات بين الوالدين أو الطلاق)، أو مشكلات مدرسية (مثل التنمر أو الضغط الأكاديمي)، أو حتى نتيجة التوقعات العالية من الأهل أو البيئة المحيطة.
وفي كثير من الأحيان، لا يملك الطفل الوسائل المناسبة للتعبير عن هذه الضغوط أو مواجهتها، فيلجأ إلى الانسحاب أو التظاهر بالقوة.
قمع المشاعر — حين يُمنع الطفل من أن يشعر
قمع المشاعر في الطفولة يحدث عندما يُقال للطفل مرارًا: “لا تبكِ، الأولاد لا يبكون”، أو “عيب تغضب”، أو “ما في شي بيخوف”. هذه العبارات الشائعة، وإن قيلت بحسن نية، تزرع في الطفل قناعة بأن مشاعره غير مرحّب بها، أو أنها دليل ضعف. فيبدأ تدريجيًا بكبت مشاعره خوفًا من رفض الآخرين أو من الشعور بالخجل.
النتائج النفسية لقمع المشاعر
قمع المشاعر لا يجعلها تختفي، بل تتحول إلى قلق داخلي، نوبات غضب مفاجئة، أو حتى أمراض جسدية ناتجة عن التوتر المزمن. وتشير الدراسات النفسية إلى أن الأطفال الذين يتعلمون كبت مشاعرهم يواجهون صعوبة لاحقًا في بناء علاقات صحية، كما يواجهون اضطرابات في الثقة بالنفس والهوية.
كيف نكسر دائرة القمع؟
الاعتراف بمشاعر الطفل: الإنصات إليه دون إصدار أحكام، وتسمية المشاعر له مثل: “أنت الآن غاضب لأن… وهذا طبيعي”.
تشجيع التعبير الآمن: عبر الرسم، واللعب، والحديث، والكتابة.
تقديم نموذج صحي: حين يرى الطفل والديه يعبّران عن مشاعرهما بصدق دون عنف، سيتعلم أن هذا أمر طبيعي.
الاحتواء بدل العقاب: عندما ينفجر الطفل بالبكاء أو الغضب، نحتويه بدل أن نصرخ عليه أو نعاقبه.
و في النهاية
الطفولة ليست فقط مرحلة للنمو الجسدي، بل هي البذرة التي تُزرع فيها القدرات العاطفية والاجتماعية للفرد. إن مساعدة الطفل على فهم مشاعره والتعبير عنها بحرية هو استثمار في مستقبل أكثر توازناً وصحة. علينا أن نمنح الأطفال المساحة ليشعروا، لا أن نربيهم على الصمت في مواجهة الألم.

