بقلم الإعلامية د./ رادا الجوهري
حين ترغب في التحدث مع شخص سواء كان قريبًا منك لتعبّرله عن مشاعرك أو حتى بعيدًا لتفتح معه موضوعًا مهمًا يشغل بالك، غالبًا ما تقول له: ” ما تيجي نشرب 2 قهوة”! فاقهوة لم تكن يومًا مشروبًا عابرًا، بل كانت بداية لحكاية أو مفتاحًا لحوار أو تمهيدًا لصمت مريح يحمل ألف معنى. من هنا لا يبدو غريبًا أن يختار صناع الدراما عنوان “2 قهوة”، فهو ليس مجرد اسم رومانسي بل دعوة غير مباشرة لأن نعود لنتكلم، لنتصارح، نتصالح، نحب، ونعيد اكتشاف من نحب. في زمن أصبح فه كل شيء سريعًا مثل فنجان القهوة في بعض الأحيان أو المسلسلات ذات العشرحلقات أو الخمس عشرة حلقة هي السائدة جاء “2 قهوة” ليكسر القاعدة ومع ذلك تجد نفسك في حالة مختلفة وتتمنى لو استمر أكثر من ثلاثين حلقة نتابعه بشغف وينتهي العمل بتكوين علاقة حقيقية مع شخصياته وارتباطنا بها. المسلسل يفتح أمامنا نافذة على عالم رومانسي إلى حد كبير مليئ بالتفاصيل الإنسانية، والحب فيه لا يُعبَّرُ عنه بصوت عالٍ، بل يُلمَح بين سطر وآخر، بين نظرة وابتسامة، كما يتصاعد بخار القهوة خفيفًا، ثم يملأ المكان دفئًا. هو حب يشبه القهوة التي تُسكب قطرة قطرة. هذا العمل ليس مجرد دراما اجتماعية رومانسية فحسب، بل هو حالة مزاجية خاصة ينقل المشاهد من التوتر والضغوط النفسية التي يعيشها اليوم إلى مساحة من الطمأنينة والانسجام حيث تتناغم الموسيقى مع الصورة ويتكامل الأداء مع الإخراج ليخلقوا معًا مناخًا هادئًا يوحي بالراحة النفسية. لكن هذه الراحة النفسية لا تعني أن العمل مثالي أو خالٍ من العيوب، ولكن رغم بعض السلبيات فإن كفة الإيجابيات هي الأرجح، فبين السطور تكمن صراعات نفسية عميقة تتشابك فيها مشاعر الحب والغيرة، الضعف والقوة، الماضي والحاضر، مما يجعل التجربة واقعية ومؤثرة دون افتعال أو مبالغة. حين يكون الكاتب عمرو محمود ياسين فإنك تتوقع العمق والصدق في بناء الشخصيات وكما يقول المثل الشعبي “ابن الوز عوام” فقد ورث عمرو عن والده الراحل الفنان القدير محمود ياسين موهبة الفن ولكنه صاغها في قالب مختلف، حيث برع في فن التأليف وامتلك أدوات السرد ببصمة خاصة. ما يميز كتابته ليس وضوح الرؤية أو الحبكة الدرامية فحسب، بل القدرة على الغوص في النفس البشرية ورسم ملامح الشخصيات بمزيج من التناقضات التي تشبهنا جميعًا: القوة والضعف، الأمل والخذلان، الحنين والخوف. و ما إن تكتمل الرؤية على الورق، حتى تأتي عدسة المخرج عصام نصار لتمنحها الحياة برؤية بصرية أنيقة وإيقاع متزن يجعلنا نشعر أن كل مشهد قد صُوّرلا للعرض فقط بل ليعطينا انطباعًا فنيًا وجماليًا، وإحساسًا صادقًا بكل لقطة يظل حاضرًا حتى بعد انتهاء المشهد. وبينما تتكامل رؤية المخرج مع النص المكتوب لتمنح العمل روحه الخاصة، فإن هذا الاتساق لم يكن ليتحقق لولا حضور تمثيلي مشحون بالإحساس والوعي الفني قدمه ممثلون أدركوا أبعاد شخصياتهم وتقمصوها بصدق ينعكس في كل مشهد،حيث لا يؤدي الشخص أدوارًا على الورق بل يعيشها مما جعل طاقم العمل أحد الأعمدة التي قام على أساسها المسلسل. بل تحقق ما يُعرف بـ “تسكين الأدوار” أي أنك تشعر أن كل شخصية كُتبت خصيصًا لصاحبها. وكما يقول المثل الشعبي: “اللي ملوش كبير يشتري له كبير”، أبدأ بالكبار: إسماعيل فرغلي أبدع في شخصية “العمدة” التي جمعت بين خفة الظل والتمسك بالعادات والتقاليد، لم يكن عمدة متسلطًا ولا صارمًا بل كان أقرب إلى الأب الصعيدي الذي يحافظ على التقاليد الريفية ويتمتع بدفء الروح المصرية الأصيلة. وبعيدًا عن الجانب العاطفي تألق الفنان القدير إسماعيل فرغلي في الجانب الكوميدي من خلال المشاهد التي تجمع بينه وبين الفنان القدير محسن محي الدين الذي يؤدي دور “شهير” والد “نيللي” ومنها القفشات بينهما التي كانت إحدى نقاط التوهج الدرامي الممتعة. ولم يخلُ هذا الصراع الطريف من لمسة كروية شعبية فالعمدة أهلاوي حتى النخاع وشهير زملكاوي أصيل لتتحول حواراتهما أحيانًا إلى مبارزات لفظية خفيفة الظل، وكأن كرة القدم امتداد طبيعي لاختلاف الطباع، وهذه إضافة جميلة من المؤلف أعطت بهجة للمشاهد وجعلت من كل لقاء بين الشخصيتين انتظارًا للابتسامة القادمة. لقد نجح إسماعيل فرغلي في أن يجعل “العمدة” شخصية لا تُنسى. أما الفنان القدير محسن محي الدين قدّم أداءً يتميز بالنعومة وخفة الظل مجسّدًا شخصية الأب الأرستقراطي الذي يجمع بين الثقافة والرقة، وبين التردد والعاطفة، لكنه لم يكن أبًا مثاليًا، رغم أنه كان طيب القلب، رقيق المشاعر ولكنه لا يعرف كيف يحتوي ابنته احتواءً كاملاً ويعوضها عن غياب الأم. وعلى الجانب الآخر، كانت الفنانة القديرة ميمي جمال بحق بمثابة الأم الحنون، تلك الروح الدافئة التي تهمس في أذن نيللي يالنصيحة الخالصة بكل حب وتمنح المسلسل بعدًا إنسانيًا جميلًا لا يُنسى. كان ظهورها في كل مشهد يضفي لمسة من الطمأنينة وكأنها المرفأ الأخير حين تتعقد الأمور. نأتي للبطل أحمد فهمي الإعلامي “يحيى الوكيل” الذي يتمتع بكاريزما عالية ولعب الشخصية باقتدار وما أبهرني تمسك يحيى بقيمة احترام الأب والتواصل الإنساني الحقيقي، فقد شاهدناه يوقر والده ويحنو على أخته ويحترم صداقاته، وهي قيم نفتقدها في كثير من الأعمال الدرامية التي تحاول أن تكون واقعية لكنها تبعد عن جمال الروح المصرية. ولعل أكثر ما لمس المشاهد في شخصيته حنانه العميق تجاه ابنته، خاصة بعد أن تركتها أمها وسافرت لنحقيق طموحها الإعلامي تاركة شرخًا عاطفيًا في نفس الطفلة لم يعوضه إلا الأب. هذا الخط الإنساني الرقيق أضفى عمقًا للشخصية. مرام علي الفنانة السورية الرقيقة اختار الكاتب أن يترك لهجتها الشامية الأصلية، فكان هذا قرارًا جريئًا وناجحًا يعبر عن احترام خصوصية الشخصية ويمنحها بعدًا ثقافيًا مختلفًا، دون أن يُفقدها الارتباط بالمشاهد المصري. في الحقيقة، تألق فريق العمل ككل وأقصد الشباب أحمد الشامي وعمر رياض وحازم إيهاب ونانسي صلاح وبسنت أبو باشا وهبة الأباصيري ومي القاضي. لاأريد أن أنسى أحدا فكلهم أبدعوا بحق. بالإضافة إلى أغنية هيثم شاكر التي أضافت الطابع الرومانسي الرقيق ” كلامه معاي طمني وخلى الدنيا بقى أحلى”. هكذا اجتمعت التفاصيل الصغيرة لتصنع تجربة فنية دافئة تشبه تمامًا فنجان القهوة حين يُقدَّم في الوقت المناسب. بعيدًا عن الخط الرومانسي، نجح المسلسل في طرح قضية الطلاق وتأثيره النفسي على الأطفال، كما طرح جانبًا مهمًا من الحياة الواقعية وهو الغيرة والصراعات داخل الوسط الإعلامي أو “النفسنة” بلغة العصر لنرى كيف تؤثر المصالح والمظاهر على العلاقات المهنية والإنسانية. مسلسل “2 قهوة” ببساطة كان فنجان القهوة الذي نحتاجه وسط الزحام.

