بقلم الإعلامية د/ رادا الجوهري
مع بداية عام جديد، نملك فرصة نادرة لإعادة النظر: هل نريد أن نحمل معنا خيبات الأمس أم نختار أن نبدأ بعين ترى الإمكانات وليس العوائق؟ في كل صباح ونحن نخطو أولى خطواتنا خارج بيوتنا نصادف بعض الوجوه المتجهمة، ملامح أنهكها التفكير، و أعينًا تحمل ثقل أيام طويلة. وحين نسأل ما بكم؟ لا نجد في الغالب إجابة منطقية واضحة، وكأن الحزن أصبح عادة، وكأن العبوس صار جزءًا من الروتين اليومي، لا سبب محدد له سوى تراكم الضغوط وضيق الأفق. لكن الحقيقة التي نغفل عنها كثيرًا وأحيانًا نتجاهلها عن عمد هي أنه حين تضيق بنا الدنيا، تكون الابتسامة أول مفتاح لكل باب مغلق. وهذا لا يعني أن الابتسامة إنكار للألم ولا أن التفاؤل تجاهل للواقع الذي نعيشه، بل دليل على موقف واعٍ من الحياة واختيار شجاع للاستمرار. التفاؤل ليس ترفًا بل ضرورة للتشبث بأمل قد يتحقق مع مرور الأيام. لو كان التفاؤل رفاهية لما ولد من رحم المعاناة! ولعلّ التاريخ الإنساني يقدّم لنا شواهد حية تؤكد ذلك ؛ شواهد لأشخاصٍ لم تمنح لهم الحياة فرص النعيم، ومع ذلك اختاروا أن يروا النور الذي حرمتهم منه الحياة وقرروا أن ينظروا إلى الجانب المشرق، لا هروبًا من الواقع بل تحدّيًا له. ومن بين هذه النماذج الإنسانية المُلهمة تبرز قصتان استثنائيتان تشتركان في المعنى وإن كان الفارق هو الزمان والمكان: “هيلين كيلر” التي صنعت من الصمت لغة وطه حسين الذي رأى بنور العقل ما لم يره المبصرون. “هيلين كيلر” فقدت السمع والبصر في طفولتها، ومع ذلك لم تتعامل مع إعاقتها باعتبارها نهاية الطريق، بل بداية لطريق العلم والمعرفة لتصبح إحدى أبرز الأصوات التي تدعو إلى المعرفة والإنسانية، و قالت: “رغم كل شيء، أؤمن بأن الحياة جميلة.” وطه حسين، الذي فقد بصره في طفولته، لم يرَ في الظلام حاجزًا، بل نافذةً أخرى رأى من خلالها العالم بوضوحٍ فكري فريد. لم ير الظلام عائقًا ، بل كان دافعًا للغوص في أعماق اللغة والمعرفة، حتى أضحى عميدًا للأدب العربي،. ونهل من منابع الأدب والعلوم حتى صار صوتًا عقليًا وثقافيًا لا يُستهان به، ليس في مصر فقط بل في العالم العربي كله. تنقل بين الأزهر والجامعة المصرية، ثم ارتحل إلى السوربون في فرنسا، وعاد ليكون من أوائل من نادوا بمجانية التعليم واعتبروه “كالماء والهواء.” ورغم الهجمات التي تعرّض لها، ظلّ ثابتًا على قناعته بأن الكلمة هي أداة التنوير الأولى، وبأن التقدم لا يصنعه التردد، بل الإيمان بقوة الكلمة وحرية التفكير. لكن هذه الأسماء برغم أهميتها قد تبدو بعيدة عن القارئ العادي وكأنها استثناءات نادرة لأن الواقع أن التفاؤل الحقيقي يظهر في قصص لا نقرؤها في الكتب ولكنها تنبع من تفاصيل الحياة اليومية القريبة منا. ويحضرني قصة عاصرتها بنفسي عن رجل في منتصف العمر، موظف عادي، لا شهرة ولا أضواء فقد عمله بعد سنوات طويلة من الاستقرار وفجأة وجد نفسه مسؤولا عن أسرة بلا دخل ثابت وبلا خطة واضحة أو هدف قاطع. لم تكن الصدمة في فقدان الوظيفة فحسب بل في شعوره بأن كل ما بناه قد انهار دفعة واحدة. ومرت الشهور ثقيلة ما بين محاولات فاشلة واعتذارات متكررة وإحساس دائم بالعجز إلى أن جاءت لحظة صادقة مع نفسه أدرك فيها أمرًا بسيطًا: اليأس والاستسلام للظروف لم يضيفا شيئا إلى حياته سوى مزيد من الخسارة. وبدأ يعيد ترتيب يومه وَبَعُد مُؤَقَّتًا عن أحلامه حيث تعلم مهارات جديدة ووسع دائرة بحثه بدلا من انتظار الفرصة المثالية. لم تتغير حياته فجأة ولم يبتسم له الحظ بسرعة، لكن ما تغير بالفعل هو نظرته للحياة. وبعد وقت، وجد عملًا بعيدًا كل البعد عن أحلامه وإمكاناته وربما يكون أقل استقرارا لكنه خفّف من شعوره بالانكسار و أثبت له هذا الموقف أن النهاية التي كان يخشاها ما هي إلا بداية جديدة. كان العمل الذي عثر عليه يتطلّب جهدًا جسديًا ونفسيًا لم يعتده؛ إذ وجد نفسه يعمل في توصيل الطلبات، ولم يكن هذا المجال ضمن خبراته السابقة، ولم يكن متمكنا من استخدام التطبيقات أو معرفة الطرق جيدا، بل ويطرق الأبواب لساعات طويلة ويتعامل مع وجوه متباينة ويتحمل مضايقات البعض التي قد تصل إلى الإهانة أحيانًا ، بعد أن كان موظفًا يحظى بمكانة مرموقة بين أقرانه ومساحة أكبر من الاحترام. وقد لا تأتي الفرصة كما تخيلها، وقد تتخذ مسارًا مختلفًا عما ظل يحلم به طويلا، غير أن فكرة الاستسلام لم تعد خيارًا في حياته، وظل يطرق أبوابًا جديدة لا تشبه ما اعتاده، و يعيد المحاولة دون أي ضجيج أو شكوى، ورغم ما مرّبه لم يستسلم لليأس، وظل على يقين أن التوقف عن السعي هو الخسارة الحقيقية. .كيف يبدو التفاؤل حين لا يكون صاحبه مفكرًا كبيرًا أو رمزًا عالميًا أو شخصية عامة، بل فردًا عاديًا يواحه ضغوط الحياة اليومية؟ فالتفاؤل، في جوهره، ليس انتظار نهاية سعيدة، بل القدرة على الاستمرار حتى حين تظلّ النهاية مجهولة. فالتفاؤل لا يُقاس بحجم الإنجازات ولا تُحدده الشهرة ولا الجوائز، بل يظهر في قدرة إنسانٍ عادي على التصدي للصعوبات التي تواجهه، وكيف يستطيع التغلب عليها رغم ثقل الأيام وكم التحديات. سيظل السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا طوال حياتنا: أيمكن للابتسامة أن تكون سلاحًا خفيًا في وجه ما لا يُحتمل؟

