هلال رمضان لا طعم له بعد غياب أمي وأبي
لم أَعُدْ أشعر أن لشهر رمضان جمالًا ولا طعمًا إلا حين اختفى صوت أمي وأبي. وفور رحيلهما أدركتُ أن جمالَ الشهر لم يكن في زينته ولا في فوانيسه، بل في وجودهما، وفي تلك اللمسة الخفية من السكينة التي كانا يزرعانها في أركان البيت.

وكان رمضان في بيتنا يبدأ قبل الآذان بقليل بخطوات أبي وهي تتردّد في أرجاء البيت، وبصوت أمي وهي تنادينا إلى السُّفرة. ولأنه شهر الخير؛ حيث كانت الموائد عامرة كما جرت العادة، لكن الطمأنينة التي كانت تملأ المكان غابت، وضاع الأمان، وغيابُهما أخذ معه البَرَكَة.
كان بيتُنا مليئًا بالدِّفءِ الأُسَريِّ، الدفء الذي تشهد عليه جدران البيت، حيث كانت التفاصيل الصغيرة كفيلة بأن تجعل أوقاتنا سعيدة. لم نكن نحتاج إلى مناسبة لنشعر بالفرح؛ كان وجود أمي وأبي هو المناسبة، وكان اجتماعنا حولهما كافيًا ليمنح اليوم معناه الحقيقي. كنا نعيش اللحظة دون أن نفكر أنها ستصير يومًا ذكرى نشتاق إليها بمرور الزمن.
كانت لطقوس رمضان في بيتنا خصوصية لا تشبه الأيام العادية، منها على سبيل المثال لا الحصر آذان المغرب بصوت الشيخ
محمد رفعت الذي لا تُخطِئه الأذن، وهو صوت لا يُنسى أبدًا في هذا الشهر المبارك. نجتمع حول مائدة واحدة في ميعاد واحد، وهذا أجمل ما يميز الشهر؛ فالناس كلها تأكل معًا، على عكس باقي أيام السنة حيث يفطر كل فرد في وقت مختلف تبعًا لمشاغله في مغظم الأحوال.
أبدأ بأمي بوصفها العمود الفقري للبيت ونعمة الحياة فيه. اسمها درية، وكان لاسمها نصيب كامل من صفاتها؛ حقًا كانت الجوهرة المكنونة التي تلمّ شتاتنا دون أن نشعر، وتُدير تفاصيل أيامنا كأنها أمر بديهي لا يحتاج جهدًا. كانت مائدةُ رمضان معها بطعمٍ آخر؛ وجودُها على السُّفرة كان يُغنينا عن كل شيء.
وكان السحور يبدأ بندائها، يسبقه صوت المسحراتي في الشارع مرددًا أغنية سيد مكاوي” اصحى يا نايم… وحِّدِ الدَّايم”، وكما كان آذانُ المغرب بصوت الشيخ محمد رفعت يعلن نهاية الصيام، كان هذا الصوت يعلن بداية دفء الليالي الرمضانية. وامتدَّ عطاؤها بلا حدود حتى فارقت الحياة؛ وعلى رأس تلك المآثر كان تفانيها في تعليمي. لم تترك لي امتحانًا ولا درسًا إلاوتابعتُه معي : كانت تسهر تسجّل لي الملاحظات، تراجع أفكاري بصبر، تُحضِّر لي الشاي والتمر في وقت المذاكرة فتعود الطمأنينة إلى قلبي.
ولم تكن مساعدتها قاصرة على المذاكرة فحسب، بل كانت تدقّق في اختيار أصدقائي وذويهم، وكان وجودها دعاءً وسندًا يخفّف الرهبة ويقوّي العزيمة. وكنتُ طالبةً متفوّقةً بفضلها بعد فضل الله، وكانت ترى في تفوّقي تكريمًا لي قبل أن يكون فخرًا لها.
ولم أدخلْ بيتَ أحدٍ يومًا إلا وهي مطمئنة؛ فقد منحتني الحرية، نعم، لكنها كانت حريةً تقوم على أساس الاحترام والأخلاق. لم أكن أزور أحدًا سوى صديقة واحدة في الجامعة، ومع ذلك كان بيتنا هو المكان الذي نلتقي فيه، لا لأننا الأقرب، بل لأن دفء أمي كان يجذب القلوب قبل كل شيء.
وقد تذكّرتُ الأيام الخوالي… أيامَ المدارس الفرنسية التي كانت أمي نفسها إحدى خرّيجاتها؛ ولهذا كان ندائي لها مامي أمرًا طبيعيًّا بيننا، وكنتُ أقول مامي وبابي كما اعتدنا منذ الصغر، ولم يكن ذلك من باب التعالي أو نوع من الترف، ولكن مجرد عادةٍ نشأت من حديثها معي بالفرنسية في البيت حتى أتقنها، مع حرصها الشديد على اللغة العربية، لغةِ القرآن الكريم.
ولم يكن ذلك غريبًا؛ فقد كانت مثقفة بطبعها حتى إن من يعرفها كان يلقبها بسهير القلماوي الأديبة والأكاديمية والصحفية المصرية التي تُعد من أبرز رموز الثقافة والنسوية، وأول فتاة تلتحق بجامعة القاهرة.
وحقًّا… ما أفتقده كثيرًا هو دعواتها الصالحة. كانت دعواتها تحيطني دائمًا؛ تردد” ربنا يبعد عنك ولاد الحرام” “وربنا يحبّب فيك خلقه”، وكانت تقرأ لي سورة يس كل يوم، كأنها تحيط أيامي بسياجٍ من الطمأنينة لا يُرى. وكانت تحرص على صلة الرحم، وتستشهد بقوله تعالى:
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (سورة طه — الآيتان 29-30)
لتعلّمنا معنى السند والمؤازرة.
ودائمًا ما كانت تُحدّثنا عن حسن الخلق واحترام الكبير، ومن أجمل صفاتها التسامح؛ حيث كانت تقول: “التمس لأخيك سبعين عذرًا”، كنايةً عن التسامح، لأن أحدًا لا يملك سبعين عذرًا، بل لأن القلب السليم يختار الصفح قبل العتاب. كما كانت توصينا بالصبر والتأني ولها تعبيراتها الجميلة الخاصة بها وحدها دون غيرها: “نصرف عفريت عفريت” بمعنى نحل كل مشكلة على حدة مرددة المثل الفرنسي:
Petit à petit l’oiseau fait son lit أي رويدًا رويدًا يصنع العصفور عشه
وكانت معطاءة بطبعها؛ تكثر من الصدقات وتردد قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾
(سورة آل عمران — آية 92).
وكانت بحكمتها الفطرية، تسبق الكلمات قبل أن تُذكَرأي تتنبأ بما قد يقوله أمهر رجال الفكر مثل فطنتها لوجود دورلرعاية المسنّين مع مراعاة الضمير والإنسانية لهؤلاء لفرط حساسيتهم وشعورهم أنهم أصبحوا عبئًاعلى أبنائهم، وكانت ترى الأشياء بميزانٍ عادل يفوق ضجيج الأحكام.
وكانت تردد دائمًا: الحمدُ لله في السراء والضراء؛ «إحنا في نعمة طول ما بنمشي على رجلينا ومش محتاجينش حد… حتى دخول دورة المياه نعمة. كانت ترى الاستقلال نعمةً خفية لا يدركها إلا من خاف فقدها، وكان أكثر ما يؤرقها فكرة الخدمة الشخصية؛ لأنها تعلم كم هي ثقيلة على النفس أحيانًا، كاسرةٌ للقلب ومؤذيةٌ للمشاعر أحيانًا أخرى. وكانت توصينا بالكبار، وتقول: «الكبار فاكهة مولية» — أي لهم عُمۡرٌ وسينتهي إن عاجلًا أو آجلًا.
ولذلك كانت تؤمن إيمانًا عميقًا بأن الموت حق، وكانت تذكره بطمأنينة لا تخلو من يقين. وحين كانت تتحدث عنه، كانت تدرك –وهي على يقين لا يتزعزع– مقدار الحزن الذي يتسلل إلى قلبي وقلب أختي الحبيبة عند مجرد تخيل فراقها. فكانت تبتسم وتقول: “متزعلوش يا ولاد… دي سنة الحياة”.
تعجز الكلمات عن وصف مآثرها الجميلة وصفاتها النادرة، لكن أكثر ما يؤلمني أنني أفتقد دعاءها الذي كان حصنًا منيعًا، وعزائي أن تكون راضيةً عني وهي في دار الحق.
أما أبي ـ رحمه الله ـ فاروق الجوهري، فقد كان لاسمِه نصيبٌ من صفاته؛ فالفاروق يفرّق بين الحق والباطل، وأشهد الله أنه كان كذلك: حكيمًا فاصلًا، يحسم الخصومات بحزمٍ وعدل، لا يظلم أحدًا مهما أساء إليه، ولكنه لا يكره إلا ن يتجاوز حدوده؛ فقد كان يعنّفه، لكنه يصفح عنه، وكان التسامح من الخصال التي جمعت بين أمي وأبي.
وأما «الجوهري» فمن الجوهرة؛ وكان أبي يخاف علينا خوفًا مَرَضيًا إلى حد العبادة، لذلك يقال إن موت الأب قصمٌ للظهر لأنك تشعر بعده أن السند الذي كنت تتكئ عليه قد انكسر وأن الدنيا أصبحت خاوية.
ورثتُ عنه عشق اللغة العربية وحب القانون؛ كان يقول إنه يحب التعامل مع الحقوقيين لأنهم عقلانيون يزنون الأمور بميزان الذهب. وكنا نتشاور في الفن والنقد، خاصة التحليل الموضوعي لأداء الممثلين: من يبدع في دوره ومن يبالغ حتى يفسده. وكنت أراجع معه أي نص قانوني، فقد كان حُجّةً فيه، كما نقول بالعامية ” يجيب التايهة”.
أما خفة الظل فحدّث ولا حرج؛ كان بارعًا في تقليد الأصوات، يكتب سيناريوهات رائعة ونال جوائز عديدة في الإعلام. كان حب الإعلام عنده أشبه بالإدمان، لكنه علّمني أخلاقياته كما يجب أن تكون ومنها: أن يتحرّى الإعلامي الدقة والصدق، ويتحقق من مصادره قبل نشر أي خبر، وأن يلتزم بالموضوعية دون تحيز، ويتحمل مسؤولية كلمته بنزاهة، وأن يحدد موعدًا مع الضيف مهما كان نجمًا كبيرًا فلا يصح طلب الحوار فورًا دون إعداد لمجرد أنك صادفته، وكان يقول لي دائمًا قولًا واحدًا لا يتبدّل: “لا تصطادي الضيف”.
ومن أبي ورثتُ حبَّ الموسيقى؛ كان يعزف سماعيًا على البيانو، وكان صوته في الغناء جميلًا، وكثيرًا ما كنا نغني معًا، فنضبط النغمة فلا نشاز في اللحن. وعشقتُ مثله كلَّ أنواع الفنون سواء السينما أوالموسيقى أو الكتابة بكل ما فيها من فرحٍ وبهجة. وكان النقاش معه ثريًّا وعميقًا؛ يطرح الفكرة في موضعها تمامًا، كما يمرّر اللاعب الماهر الكرة في اللحظة المناسبة في المباراة.
أما حضن الأب فلا يضاهيه حضن؛ فقد غمرني بدلالٍ لا حدود له، ومنحني ثقة جعلتني أواجه الناس بلا خوف، وكان يقول لي دائمًا: ما دمتِ لم تخطئي في حق أحد، فلا تحسبي حسابًا لأحد.
وكان وطنيًا حتى النخاع، يعشق مصر عشقًا لا يوصف، ويتباهى بذكاء المصريين وتعليمهم للبلاد العربية. ورغم انتمائه لعائلة أرستقراطية كبيرة، كان في غاية التواضع، وعلّمني احترام البسطاء الذين قد يكونون عند الله أفضل.
وأشد ما أفتقده يوم ميلادي؛ كان يغني لي
«يا نور جديد في يوم سعيد ده عيد ميلادك أحلى عيد»
كلها أشياء قد تبدو بسيطة ولكنها عندي بثمن الماس ووزن الذهب.
وهكذا عشت بين قلبين؛ قلبٍ يحتويني بحنان الأم، وعقلٍ يحميني بحكمة الأب. كانت أمي السكينة التي أعود إليها، وكان أبي السند الذي أستند عليه، وبينهما تعلمت معنى الأمان الذي لا يُشترى ولا يُعوَّض.
وبكرم الله، لم يُذِقهما ذلَّ الاحتياج في أدق تفاصيله، ولم تُجبرهما الأيام على ما كانا يخشيان. ومع ذلك يبقى في القلب وخزٌ دائم أننا — مهما حاولنا — لن نبلغ برًّا يوازي بحر عطائهما.
وعندما أتأمل مطامع البشر أتذكر قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ … هَذانِ في الدُنيا هُما الرُّحَماءُ
فهما الرحمة إذا تجسدت،
والدعاء إذا نطق،
والأمان إذا ضاق العالم.
ولا أحد سواهما يريد أبناءه أفضل حالًا منه دون الشعور بالغيرة، ومهما حاولنا برَّهما سنظل مقصرين ما حيينا.
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
(سورة الإسراء — الآية 24)