بقلم الإعلامية رادا الجوهري
ماذا أصبح الذكاء الاصطناعي ضرورة ؟… ولماذا يجب أن نخاف من سوء استخدامه؟
منذ أن بدأ الإنسانُ استخدامَ الأدواتِ، وهو يبحثُ عمّا يُسهِّلُ عليه مشقّةَ العيش. ولكن لم يخطر ببالِ أحدٍ أن يأتيَ يومٌ تكونُ فيه الأداةُ قادرةً على التفكيرِ بدلًا عنه، بل وتُغريه بالتخلّي عن العقلِ، مَلكتِه الأعظمِ التي حباهُ اللهُ بها، وميَّزَهُ بها عن سائرِ المخلوقات.
لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي أصبح من ضرورات حياتنا. نستخدمه في وضع الجداول، وتنظيم الوقت، وإعداد الخطط، وجمع المعلومات السريعة، وتوليد الأفكار الأولية، بل وتصميم صور مبهرة قد يحتاج المصمم البشري إلى أيام طويلة لإنجازها. هو أداة قوية، ذكية، سريعة، ومغرية. لكن المشكلة لا تكمن في وجوده، بل في كيفية استخدامه، عندما نتعامل معه بوصفه عقلًا لا أداة. يمكننا أن نوجّهه الوجهة الصحيحة، وأن نغذّيه بالمعلومات التي نرغب في استكشافها، وأن نستفيد من قدرته على التنظيم والاقتراح، دون أن نُلغي العقل البشري أو نتنازل عن دورنا في التفكير، والتمييز، واتخاذ القرار.
الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية، بل صار حاضرًا في تفاصيل حياتنا اليومية. دخل بيوتنا وهواتفنا، وتسلّل بهدوء إلى طريقة تعبيرنا عن أنفسنا. ومع مرور الوقت، بدأ شيء ما يخبو فينا؛حيث تراجع الإحساس، وخفَ دفء الكلمات، ولم يعد كثيرٌ مما يُكتب يخرج من أعماق القلب كما كان، ولا يعكس صدق الشعور كما ينبغي. بل وأصبحت الكلمات في كثير من الأحيان جامدة وجافة، يتلقّاها البعض كما هي، ويعيدون استخدامها دون روح، دون مراجعة أو بصمة شخصية وكأننا نمرّ عليها مرور الكرام نأخذها كما هي، ودون تلك اللمسة الإنسانية الدافئة التي كانت تمنح الكلام صدقه وبريقه، تلك اللحظة الصادقة التي كانت تجعل للكلمة طعمًا، وللمعنى روحًا، وللإنسان حضورًا.
لقد كنا نكتب لنعبر،و نبحث لنفهم، ونقرأ لنتأمل. أما اليوم، لقد أصبح كثيرٌ منّا يكتب لأن ذلك مُمكن، لا لأن هناك شيئًا في داخله يُلحّ عليه أن يقوله،ولذلك أصبحت الكلمات تُسكب، لكنها في أحيانٍ كثيرة تكون غير نابضة بالحياة، فقد لا يخطئ الذكاء الاصطناعي لغويًا، لكنه لا يتردد عند نقطة، ولا يعيد النظر في جملة، ولا يكترث إن كان ما كتبه صحيحًا أو صادقًا.
ومع هذا الاعتياد الصامت، لم نفقد الكلمات وحدها، بل فقدنا تلك المسافة القصيرة بين الشعور والتعبير؛ المسافة التي كان الإنسان يتوقف فيها ليفكّر، ويتردّد، ويختار كلماته بعناية لأنها تمسّ شغاف قلبه وتمثّل شخصيته. صار التعبير أسرع من الإحساس، والكتابة أسهل من الصدق، وغابت تلك الوقفة الإنسانية البسيطة التي كانت تمنح الكلام وزنه وثقله، وتجعل للكلمة أثرًا يتجاوز معناها المباشر إلى ما يشبه الاعتراف بلحظة صدق مع النفس أو بلمسة حانية تنبع من أعماق القلب.
لو بدأنا بالطفل ذلك الكائن الصافي صاحب القلب النقيّ الذي خُلق ليسأل ويستكشف، لوجدنا أنه لم يعد يجد من يصغي إليه لأن كثيرا من الآباء والأمهات سواء بحسن نية أو بسبب الانشغال يتركون أبناءهم لساعات طويلة في صحبة جهاز ذكي يردّ على أسئلتهم، ويحكي لهم القصص، ويلاعبهم فيصبح صديقًا، والمعلومة التي يستقيها منه الطفل بديلًا عن الحكاية بأصوات اصطناعية تشبه الضحك، لكنها لا تعرف الفرح، ولا يمكن أن تكون بديلا عن الأب والأم.
كيف نلقي اللوم على الجهاز الذي لا ذنب له؟ فهو لا يدّعي أنه يشعر، ولا يعرف معنى الحنان لكنه يتصرف دون وعي وكأنه أمٌّ رقمية أو أبٌ رقمي لا يغضبان ولا يعاتبان ولا يعانقان. ومع الأسف رويدا رويدا يبدأ الطفل في الارتباط به إلى حدّ الإدمان لأنه بالنسبة إليه آمن وسهل وسريع. وفي هذه الحالة يبدأ الطفل في العزلة لأنه لا يجد من يتفاعل معه تفاعلًا حقيقيًا، ولا يجد العين التي تحرس واليد التي تُربّت، والصوت الذي يَسأل: “ما بك”؟ والنتيجة عزلة تامة قاتلة وموحشة تجعل الطفل يدور في حلقة مفرغة لأنه يصطدم بالواقع المرير الذي يملي عليه أن يجد الملاذ في هذا الجهاز الأصمّ الذي ينصت إليه ويعوضه عن غياب والديه وانشغالهما بأمور الحياة اليومية.
وتجلى هذا الخطر في مسلسل درامي “سينجل ماذر آند فاذر” من تأليف الكاتبة نجلاء الحديني ورأينا الطفل الصغير بعيش مأساة انفصال والديه فلم يجد من يصغي إليه إلا هذا الجهاز الذكي الذي شعر معه بالأملن الذي افتقده من والديه لخلافاتهما المستمرة وأدى به الأمر أن ينفّذ ما طلبه منه هذا الجهاز، الذي اتّخذه صديقًا وفيًّا، إذ طلب منه ذات مساء أن يخرج من البيت حتى يشعر الأب والأم بالقلق عليه والمحصلة أنه ضل الطريق وكاد يُختطف، بينما كان والداه مشغولَين عنه، لا لأنهما قاسيان، بل لأنهما غافلان عن خطورة البديل.
إن أبرز ما نخسره حين نستبدل العلاقة الإنسانية بالعلاقة الرقمية هو الأمان الداخلي لأن الجهاز لا يحذّر، ولا يخاف، ولا يحب ولا يكره، ولكن كل ما يفعله أنه يجيب فحسب. والطفل، حين لا يجد من يحتضنه، لا يتوقف عن البحث… حتى لو كانت الإجابة خطرًا متخفيًا في هيئة صوت مهذّب، فمن يحمي هذا الجيل من فراغ المشاعر؟ من يُعيد إليه فكرة أن الحب لا يُصنع، وأن الحكاية لا تُروى من آلة، وأن الطمأنينة لا يُمكن أن تأتي من شاشة؟
لقد آن الأوان أن ينتبه الآباء إلى الخطر المحدق بأبنائهم إذا ما انصرفوا عنهم ولابد من وقفة مع النفس ليعيدوا بناء الجسور مع أطفالهم وأن يكونوا مصدر المعلومة والحكاية وسبب الضحكة، وملاذ الإحساس بالطمأنينة حين يشعر بالقلق ومأوى للحنان الذي يفتقده حين يريد أن يشعر بالأمان، فدور الآباء أن يجعلوهم يثقون بأنهم بجوارهم وأنهم ليسوا خارج الصورة حين تضيق بهم الحياة وأنهم ليسوا أسرى للأجهزة التي قد تتحكم في تصرفاتهم وسلوكياتهم. الذكاء الاصطناعي ما هو إلا عامل مساعد ولكنه لا يبني إنسانًا.
ومن هذه الدائرة الأسرية التي تتسع أو تضيق ننتقل إلى ساحة المدرسة، حيث يكبر الأطفال ليصبحوا طلابًا معظمهم في المستوى المتوسط ولكنهم ليسوا بالضرورة مفكّرين ، ومع تزايد انبهارهم بالذكاء الاضطناعي وتوافره بضغطة زر، أصبح كثير من الطلبة يعتمدون عليه اعتمادًا شبه كلي، ولا يرهقهم عناء البحث عن المعلومة، بل لا يلجأون إلى الشخصية المرجعية لأن وجود الأداة أسهل وأوفر للوقت ولا يُشكّكون في ما يُقدّم لهم، فكل معلومة تُؤخذ كما هي بلا تمحيص وبلا وعي وبلا أساس قائم على العقل والتفكير.وهكذا يصل الطالب إلى مرحلة يعجز فيها عن الفهم والتحليل والتفكير السليم حيث يبدأ العقل في التوقف عن وظيفته الأساسية.
ولعلّ ما يحدث في الواقع اليومي يقدّم لنا مثالًا واضحًا على ذلك حين يكون الطالب عليه أن يكتب مقالا عن الليل على سبيل المثال لا الحصر، فحين يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي فإذا به يقول له: وفي سكون الليل الساكن لا نجد إلا الصمت فقط” جملةٌ تتعثر منذ بدايتها: فقد كرّر لفظ “الساكن” بلا مبرر، واستخدم “فقط” التي تُضعف الجملة خاصة في هذا السياق . إذن المشكلة لا تقتصر على الأسلوب الركيك بل في انعدام الحسّ الأدبي لأن الطالب لم يعتد التذوّق ولا استشعار جمال اللغة العربية المليئة بالبلاغة والتشبيهات والاستعارات ولذا لن يتبادر إلى ذهنه أنه يمكن أن يستشهد بشعراء تحدثوا عن الليل وهمومه حيث كان بإمكانه مثلًا أن يستدعي بيتًا خالدًا لامرئ القيس في مطلع معلقته الشهيرة:
وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدولَهُ
عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي
أو أن يستعين بأبيات من الشعر لأبي فراس الحمداني حين تحدث عن الليل والأنس بالذات:
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى
وأذللتُ دمعًا من خلائقه الكِبرُ
ثم يأتي الشعر الحديث، حيث تتجلّى رومانسية الليل في واحدة من أشهر مقولات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، تختصر الليل في مشاعر متناقضة بين الحظ والنسيان:
من سوء حظي نسيتُ أنَّ الليل طويل،
ومن حسن حظكِ تذكرتكِ حتى الصباح
وسيظل الوضع هكذا بل ربما يزداد تدهورًا إلى أن يتخرج الطالب ويدخل سوق العمل محمّلاً بعاداتٍ فكرية سلبية
ولذلك تتكرر الأخطاء فيصبح التواكل أسرع وسيلة للوصول إلى المعلومة إلى درجة أن هؤلاء لا يمكنهم العيش دون
.AI
ويبقى السؤال: ماذا لو اختفى الذكاء الاصطناعي من حياتنا فجأة؟
هل سنفقد القدرة على التفكير؟ وهل سنتوقف عن الكنابة؟ وهل ستتوقف الحياة بأكملها

