في موسكو وسانت بطرسبرغ، كانت ليلة رأس السنة تبدو مختلفة هذا العام، أكثر ظلامًا من المعتاد، وكأن المدينة نفسها تشعر بثقل التوتر السياسي والاقتصادي. أضواء الألعاب النارية غابت عن السماء، والزغاريد لم تُسمع، بينما الدوريات الأمنية والطائرات المراقبة تحلق في كل زاوية، مطبقة رقابة مشددة على كل تجمع محتمل.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصدر قرارًا بإلغاء الاحتفالات في أكثر من 64 إقليمًا، وفرض قيودًا على بيع الكحول، بالإضافة إلى تحديد الوصول إلى الإنترنت في مناطق محددة، في خطوة وصفها محللون بأنها احتياط أمني صارم وسط تصاعد النزاع مع أوكرانيا وتصاعد التوترات الداخلية.
في الشوارع، يمكن رؤية عائلات تائهة بين الرغبة في الاحتفال والخوف من الإجراءات الأمنية المشددة. الأطفال ينظرون بدهشة إلى الساحات الفارغة، فيما يتحرك المواطنون بحذر، يراقبون الدوريات المسلحة وهم يحملون الهدايا والأطعمة التقليدية. المقاهي والمطاعم الكبرى شهدت إقبالًا محدودًا، حيث التزم الناس بالاحتفال في بيوتهم خوفًا من العقوبات أو الاشتباكات مع قوات الأمن.
المحللون يشيرون إلى أن هذه الإجراءات ليست مجرد تدابير أمنية عادية، بل رسالة من بوتين لتعزيز السيطرة على المجتمع المدني، وتقليل أي فرص لتجمعات قد تتحول إلى احتجاجات أو مظاهرات سياسية خلال فترة حساسة من العام. الإجراءات، بحسب المحللين، تعكس تزايد القلق لدى القيادة الروسية من أي تحرك شعبي قد يهدد استقرارها الداخلي.
المرور في موسكو يظهر حالة غير معتادة: الشوارع شبه خالية، الإشارات المرورية تتحرك بهدوء، فيما تتحرك سيارات الشرطة والدوريات العسكرية بشكل منتظم، كأن المدينة قد تحولت إلى ميدان اختبار للسيطرة الأمنية الكاملة. وسائل الإعلام الروسية الرسمية ركزت على تعزيز الوعي بالقوانين الجديدة، محذرة المواطنين من أي خرق قد يعرضهم للمساءلة القانونية الفورية.
على مستوى الاقتصاد، يمكن ملاحظة تأثر قطاع الترفيه والسياحة الداخلية بشكل كبير، حيث اضطر منظمو الفعاليات والمهرجانات لإلغاء احتفالاتهم أو تعديل برامجهم بما يتوافق مع التعليمات الأمنية، ما أثر على أرباحهم السنوية.
بينما الشعب الروسي يعيش تجربة احتفالية غير مألوفة، يرى البعض أن هذه الإجراءات تمثل تجربة اختبارية لقياس مدى امتثال المجتمع للإجراءات الحكومية المشددة، خاصة في ظل النزاع المستمر مع أوكرانيا والتوترات الدولية، مما يعكس الرغبة في ضبط كل حركة محتملة قد تحمل أبعادًا سياسية.
التحليلات الدولية تشير إلى أن هذه القيود قد تزيد من التوتر الاجتماعي الداخلي، بينما تعطي إشارات واضحة للدول الأخرى بأن روسيا مستعدة لاتخاذ أي إجراءات قاسية لضمان السيطرة، حتى على مناسبات تقليدية مثل ليلة رأس السنة.
في النهاية، ليلة رأس السنة في روسيا لم تكن مجرد مناسبة للاحتفال، بل ميدان يظهر توازن القوة بين الدولة والمجتمع، ويكشف مدى استعداد القيادة الروسية للتحكم في كل تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين أثناء فترات حساسة. المدن الكبيرة بدت هادئة ومرتبة، لكنها تخفي توترًا شعوريًا عميقًا بين الرغبة في الاحتفال والخوف من الإجراءات الأمنية، وهو مزيج يعكس الواقع السياسي والاجتماعي للبلاد في نهاية عام 2025.